أحمد ابراهيم الهواري

208

من تاريخ الطب الإسلامي

ابن أبي الحكم بن عبيد الله بن المظفر بن عبد الله الباهلي ، وأطلق له جامكية وجراية ، وكان يتردد إليه ويعالج المرضى فيه ، وكان أبو المجد بن أبي الحكم يدور عليهم ويتفقد أحوالهم ويعتبر أمورهم ، وبين يديه المشارفون والقوّام لخدمة المرضى ، فكان جميع ما يكتبه لكل مريض من المداواة والتدبير لا يؤخر عنه ولا يتوانى في ذلك . ثم قال : وبعد فراغه من ذلك وطلوعه إلى القلعة وافتقاده المرضى من أعيان الدولة يأتي ويجلس في الإيوان الكبير الذي بالبيمارستان ، وجميعه مفروش ، ويحضر كتب الاشتغال . وكان نور الدين رحمه الله قد وقف على هذا البيمارستان جملة كتب من الكتب الطبية ، وكانت في الخرستانين اللذين في صدر الإيوان فكان جماعة من الأطباء والمشتغلين يأتون إليه ويقعدون بين يديه ، ثم تجرى مباحث طبية ويقرئ التلاميذ ولا يزال معهم في اشتغال ومباحثة ونظر في الكتب مقدار ثلاث ساعات . قال جمال الدين بن تغرى بردى « 1 » في سنة 597 جاءت في شعبان زلزلة من مصر امتدت إلى دمشق فرمت بعض المنارة الشرقية بجامع دمشق وأكثر الكلّاسة البيمارستان النوري . وقال خليل بن شاهين الظاهري « 2 » بعد أن زار دمشق : وبها مارستان لم ير مثله في الدنيا قط ، واتفقت نكتة أحببت أن أذكرها : وهي أنى دخلت دمشق في سنة 831 ه ( 1427 م ) وكان بصحبتي رجل عجمي من أهل الفضل والذوق واللطافة ، وكان قصد الحج في تلك السنة فلما دخل البيمارستان المذكور ونظر ما فيه من المآكل والتحف واللطائف التي لا تحصى ، قصد اختبار رجال البيمارستان المذكور فتضاعف ( تمارض ) وأقام به ثلاثة أيام ، ورئيس الطب يتردد إليه ليختبر ضعفه ، فلما حبس نبضه وعلم حاله وصف له ما يناسبه من الأطعمة الحسنة والدجاج المسمنة والحلوى والأشربة والفواكه المتنوعة . ثم بعد ثلاثة أيام كتب له ورقة من معناها : أن الضيف لا يقيم فوق ثلاثة أيام . وهذا في غاية الحذاقة والظرافة . وقيل إن البيمارستان المذكور منذ عمّر لم تنطفئ فيه النار . ولما أتى بدر الدين بن قاضى بعلبك إلى

--> - والخانات في الطرق ، والخانكاهات في جميع البلاد ، وأوقف على الجميع الوقوف الكثيرة وكان يكرم العلماء وأهل الدين ويعظمهم ولا يرد إليهم قولا وكان وقورا مهيبا مع تواضعه ، وبالجملة فقد كان له من المفاخر والمآثر ما يستغرق الوصف ، توفى يوم الأربعاء عشر شوال سنة 569 ه بقلعة دمشق ودفن بها في تربته بمدرسته التي أنشأها عند باب سوق الخواصين . ( 1 ) - النجوم الزاهرة ج 6 ص 174 . ( 2 ) - زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك لفرس الدين خليل بن شاهين الظاهري طبع باريس سنة 1894 م .